الشيخ محمد رشيد رضا
44
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مجاهد بكل ما لا خير فيه ، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بالعذاب ، وقال الزجاج هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة . وقال تعالى في سورة يونس ( 10 : 100 وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) وكأن الجعل في الآيتين ضمن معنى الالقاء ، أي على ذلك النحو في أسباب جعل الصدر ضيقا حرجا بأصل الاسلام يقع الرجس بتقدير اللّه تعالى على الذين لا يؤمنون بأن يكون لازما لهم ، وتلقى تبعته عليهم ، لان الايمان الذي اجتنبوه هو الذي يصد عنه ، ويطهر الأنفس منه ، ولأجل هذا لم يقل : كذلك يجعل اللّه الرجس عليهم ، أو على الكافرين واعلم أيها القارئ أن هذه الآية كانت معترك أهل الكلام من القدرية الجبرية والمعتزلة والأشعرية - فالقدرية الذين ينكرون أن خلق الخلق وقع بتقدير سابق من اللّه تعالى ونظام ثابت بسنن حكيمة يقولون إن الآية ظاهرة في أن اللّه تعالى إذا أراد هداية امريء يخلق في صدره انشراحا للاسلام فيكون قبوله له بخلق اللّه ، وهذا الخلق يحصل أنفا أي جديدا غير مرتب على تقدير سابق ، والجبري منهم ومن غيرهم يقول إذا كان الامر كذلك فاسلام المرء ليس باختياره ولا كسبه بل بفعل اللّه تعالى وحده ، ومن الأشعرية من يقول له فيه كسب ينسب اليه ولكنه مخلوق للّه لا تأثير له في نفسه ، وحاصل القولين واحد ، ويقولون مثل هذا فيمن يريد أن يضله فيخلق له من ضيق الصدر والحرج ما يثبت به على كفره ويمتنع من قبول الايمان . وللمعتزلة تأويلات في الآية حاولوا فيها تطبيقها على مذهبهم في كون إيمان المرء وكفره من فعله المستقل فجعلها بعضهم خاصة بهداية المؤمن في الآخرة إلى طريق الجنة وضلال الكافر عنه . وبعضهم من قبيل ما يعبرون عنه بمنح الالطاف والتوفيق المسهل لمن أراد اللّه هدايته أن يهتدي بفعله وكسبه ، وعدم منح ذلك لمن لا يريد منه ذلك فيبقى على كفره بإرادته واختياره ، وهذا أب ما قالوه إلى مذهب أهل السنة وانما وقع حذاق النظار في أمثال هذا الخلاف لاتخاذ مذاهبهم أصولا مسلمة ومحاولة حمل نصوص كتاب اللّه تعالى وأخبار رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عليها لتصحيحها وابطال مذاهب خصومهم المخالفة لها ، فهم ينظرون في كل آية تتعلق بقواعد هذه المذاهب مفردة على حدتها ولا يعرضونها على سائر الآيات التي في موضوعها ليكونوا مؤمنين